رحلتي مع الكفاح ..جزء الثالث
ها أنا أعود إليكم لأكمل قصة الكفاح والصبر… فلنبدأ.وصلنا إلى محطة السيارات في مدينة مايدوغوري، وتحديدًا محطة "تيرمينوس"، إحدى أشهر محطات النقل في ولاية برنو.
نزلنا من السيارة وجلسنا نستريح بعد رحلة أنهكت الجسد والروح.
كان البعض ينتظر أهله ليأخذوه…
أما أنا، فلم يكن لي أحد هناك.
وقبل أن أبدأ التفكير في مصيري، عاد إلى ذهني مشهد المرأتين اللتين قُتلتا على يد قطاع الطرق…
الأم وابنتها.
دعوني أسمي الأم "سعدية"، وابنتها "ماجدة".
كانت خالة سعدية قد أخبرتني في الطريق أنها ذاهبة إلى نيجيريا لتُري ابنتها إخوتها الذين لم ترهم منذ سنوات.
تزوجت ابن عمها الذي كان يعيش في نيجيريا، وعاشت معه حياة مليئة بالصبر، رغم تسلط أخواته وتدخلاتهن.
كان زوجها رجلًا طيبًا، يخاف الله، ويحميها من ظلم أخواته.
لكن في أحد الأيام خرج في سفر كعادته… ولم يعد.
مات في حادث سيارة احترقت فيه مركبته، ولم يصل الخبر إليهم إلا بعد شهر.
وبعد وفاته، بدأت المعاناة الحقيقية.
طُردت من بيتها، وانتُزعت حضانة أطفالها منها بحجج واهية، لتُحرم من فلذات كبدها.
عادت إلى تشاد مكسورة القلب، تتابع أخبار أبنائها من بعيد.
وبعد ثلاثين عامًا من الفراق، عاد ابنها يبحث عنها… لكنها لم تكن موجودة حينها.
قررت أن تسافر إلى نيجيريا لترى أبناءها بعينيها،
لكن الله كتب لها نهاية أخرى.
تلك هي قصة خالة سعدية…
التي قُتلت قبل أن تصل إلى حلمها.
رحمها الله ورحم ابنتها.
عدت إلى واقعي…
جلست في محطة مايدوغوري، أراقب الناس من حولي،
لا أعرف أين أذهب، ولا من ألجأ إليه.
رفعت يدي إلى السماء وقلت:
"يا رب، سخر لي من عبادك من يكون لي عونًا."
وبينما أنا غارقة في التفكير، لاحظت رجلًا يمر أمامي أكثر من مرة، ينظر نحوي ثم يبتعد.
وفي المرة الأخيرة، اقترب مني.
سلّم وقال:
"أنتِ جديدة هنا، أليس كذلك؟"
أجبته بهدوء: نعم.
سألني إن كان لي أهل في برنو، فأخبرته أن لي صديقة في كانو، لكن لا أحد هنا.
فعرض عليّ أن أبقى في منزله حتى أرتب أموري.
ترددت قليلًا…
ثم قلت في نفسي:
"اللهم إن كان خيرًا فقرّبه، وإن كان شرًا فاصرفه عني."
ووافقت.
اسمه كان "صقر"…
وحين قال لي: انا صقر "اعتبريني أخوكِ لم أتمالك نفسي من الضحك.
لم أعتد سماع هذا الاسم في هذه البلاد.
دخلت منزله، فإذا بزوجته تستقبلني بنظرات حادة وتقول بانفعال:
"صقر! تزوجت عليّ؟!"
كانت تُدعى شامة، امرأة قوية الملامح، سريعة الغضب… و الطيبة أيضًا.
رغم تعبي الشديد، لم أستطع منع نفسي من ضحك
وبعد أن شرح لها القصة، هدأت واعتذرت، بل ورحبت بي وأدخلتني إلى قسم الضيوف.
استحممت بعد أيام من الإرهاق،
ثم خرجت لأجد مائدة طعام مليئة بما لذّ وطاب.
قالت لي:
"كُلي ما تستطيعين، والباقي يكفي."
في تلك اللحظة، شعرت أن الله لم يتركني.
كلما أُغلِق باب، فُتح آخر.
وتذكرت أن في هذه الحياة،
كل شيء يحدث لحكمة.
كل تعب يصنع تجربة،
وكل صبر يخبئ فرجًا.
توقفت هنا…
على أمل اللقاء بكم في الجزء الرابع من
سلسلة: رحلتي مع الكفاح
كادي ميزون

تعليقات
إرسال تعليق