رحلتي مع الكفاح – الجزء الثاني

 

مرحبًا أخي القارئ، أختي القارئة،

ها أنا أُكمل رحلتي معكم…

بعد أن سافرتُ إلى تشاد، وكما ذكرتُ سابقًا، كنتُ وحدي، لا يرافقني أحد، ولذلك أصبحت الحياة بالنسبة لي صعبة، لكنها لم تكسرني، ولم أيأس.

قد تتساءلون: أين عشتُ في تشاد؟

سكنتُ في بيت جارتي، وهي امرأة أعرفها منذ أيام سكني في السعودية؛ كانت جارتنا، وبيتها ملاصق لبيتنا، جدارنا واحد. وعندما وصلتُ إلى تشاد، هي من استضافتني في بيتها.

رغم أن زوجها متوفى، إلا أنها امرأة مكافحة، لم تمد يدها لأحد يومًا. أكرمتني كثيرًا، ولم تُشعرني أبدًا أني عبء عليها، رغم أني كنت أشعر بذلك في داخلي.

بعد ثلاثة أشهر من إقامتي في تشاد، بدأت أتعرف على العملة والبيئة. كنت قد جئتُ من السودان بمبلغ مالي بسيط، فبدأت أفكر: ماذا أشتري لأبيعه وأصرف على نفسي، وأخفف الحمل قليلًا عن جارتي؟

سألتها عن أبسط مشروع يمكن البدء به، فقالت:

“إما تبيعين الماء، أو تصنعين بهارات بنفسك.”

أعجبتني فكرة البهارات. اشتريت بعض المكونات، وبدأت أجهزها وأبيعها. وبفضل الله، نجحت الفكرة وفرحنا بها أنا وجارتي… لكن للأسف، لم تكتمل الفرحة.

في أحد الأيام، دخل لصوص إلى البيت وسرقوا كل شيء: المال، البهارات، وحتى الطعام. الحمد لله أننا لم نكن موجودين وقتها، كنا في عرس لإحدى صديقات جارتي، وذهبنا جميعًا، حتى أطفالها. استغل اللصوص غيابنا وسرقوا كل ما في البيت.

عدتُ مرة أخرى إلى الصفر.

ذهبت تجارتي، وذهبت كل أموالي، وكذلك أموال جارتي. الفرق بيننا أنها كانت تعمل في مدرسة ولها دخل، أما أنا فلم يكن لدي سوى بيع البهارات.

رغم ذلك، لم تتخلَّ عني. أخذت من راتبها وأعطتني، وقالت لي:

“ارجعي اشتغلي وابدئي من جديد.”

وبالفعل، عدتُ أعمل، وبعتُ البهارات مرة أخرى. وحين أردتُ أن أُعيد لها المبلغ، رفضت أن تأخذه.

عشتُ مع هذه المرأة الطيبة ثمانية أشهر.

بعدها بدأت أشعر بأعراض غريبة؛ كلما أكلت، ينتفخ بطني وكأني حامل في الشهر الرابع. قررت الذهاب إلى المستشفى، وبعد الفحوصات اتضح أن لدي ورمًا ليفيًا فوق الرحم.

نصحني الطبيب بإجراء عملية، وأخبرني عن مستشفى في نيجيريا لديهم تجهيزات متطورة. عزمت أمري، ورتبت أموري، وتوكلت على الله.

غادرتُ بيت تلك المرأة الطيبة، ودموعي لم تفارقني، وكانت هي أيضًا تبكي. قالت لي:

“إذا رجعتي، تعالي عندي.”

قلت لها: “إن شاء الله”، ولا أعلم هل سنلتقي مرة أخرى أم كانت تلك آخر مرة أراها.

رحلاتي كلها كانت برًّا، لأن السفر جوًا مكلف ولا أستطيع تحمّله. والسفر البرّي مخاطرة، لكن لا خيار لدي.

سافرتُ مع مجموعة من الرجال والنساء متجهين إلى نيجيريا. وفي الطريق، داهمتنا مجموعة من قطاع الطرق. أوقفونا وأنزلونا من السيارة.

كنت أسمع عنهم في القصص، لكن لم أتخيل يومًا أن أراهم بعيني.

الموقف كان يحبس الأنفاس، والموت أمامي، ومع ذلك شعرت بشيء غريب… تبلّد، سكون، شعور لا يوصف.

طلبوا منا أن نعطيهم كل ما نملك.

كنت قد جمعتُ مال العملية والسفر والطريق. بعض النساء قلن إنهن لا يملكن شيئًا، فقاموا بذبحهن أمام أعيننا… مشهد لن أنساه ما حييت.

أما نحن الباقون، فأعطيناهم كل ما معنا.

وفي تلك اللحظة، داهمتهم فرقة من أمن الحدود، فهربوا فورًا. تم إنقاذنا، لكن أموالنا وأغراضنا ذهبت معهم.

المرأتان اللتان قُتلتا تُركتا مع قوات الإنقاذ، وتم استدعاء سيارات نقل الموتى، أما نحن فأكملنا طريقنا حتى وصلنا إلى الحدود بين تشاد ونيجيريا، وتحديدًا ولاية برنو.

وهنا…

سأقف مؤقتًا.

على أمل لقاء قريب في الجزء القادم من سلسلة رحلتي مع الكفاح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية أمل (رحلة البحث عن النغم المفقود)

رحلتي مع الكفاح الجزء الاول